أبو الليث السمرقندي
288
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال اللّه تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً يعني : أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه . قال مقاتل والكلبي : نزلت الآية ، في شأن أبي بكر الصديق ، رضي اللّه عنه ، ويقال : هذا أمر عام لجميع الناس . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم إحسانا بالألف ، ومعناه : أمرناه بأن يحسن إليهما إحسانا . والباقون حسنا بغير ألف ، فجعلوه اسما ، وأقاموه مقام الإحسان . ثم ذكر حق الوالدين ، فقال : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً يعني : في مشقة وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يعني : في مشقة وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ يعني : حمله في بظن أمه ، وفصاله ورضاعه ثَلاثُونَ شَهْراً وروى وكيع بإسناده ، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : إن رجلا قال له : إني تزوجت جارية سليمة بكرا ، لم أر منها ريبة ، وإنها ولدت لستة أشهر . فقرأ علي وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] وقرأ وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فالحمل ستة أشهر ، والرضاع سنتين ، والولد ولدك . وقال وكيع : هذا أصل ، إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ، لم يلزمه فيفرق بينهما . ثم قال حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني : بلغ ثلاثا وثلاثين وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً صدق بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، يعني : أبا بكر قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ يعني : ألهمني ما أؤدي به شكر نعمتك ، وما أوزعت به نفسي ، أن أكفها عن كفران نعمتك ، وأصله من وزعته . أي : دفعته قال : رب أوزعني أن أشكر . يعني : أن أؤدي شكر نعمتك الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ بالإسلام وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ يعني : تقبله وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي يعني : أكرمهم بالتوحيد . ويقال : اجعلهم أولادا صالحين مسلمين ، فأسلموا كلهم إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ يعني : أقبلت إليك بالتوبة وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني : المخلصين ، الموحدين على دينهم . قوله تعالى أُولئِكَ يعني : أهل هذه الصفة . يعني : أبا بكر ووالديه ، وذريته ، ومن كان في مثل حالهم الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا يعني : ستجزيهم بإحسانهم . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية حفص ، نتقبّل بالنون وَنَتَجاوَزُ بالنون . وقرأ الباقون بالياء والضم . فمن قرأ بالنون ، فهو على معنى الإضافة إلى نفسه ، يعني : نتقبل نحن ، ونصب أحسن لوقوع الفعل عليه ، ومن قرأ بالياء والضم ، فهو على معنى فعل ، ما لم يسم فاعله . ولهذا رفع قوله : « أحسن » لأنه مفعول ما لم يسم فاعله . ثم قال وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ يعني : ما فعلوا قبل التوبة ، فلا يعاقبون عليها فِي